ممثل… يبدّل أسماء الشخصيات ولا يبدّل نفسه - شربل الغاوي

ممثل… يبدّل أسماء الشخصيات ولا يبدّل نفسه - شربل الغاوي

في رمضان الماضي، اتخذت قرارًا لن أندم عليه: ألا أكتب سطرًا واحدًا عن أي ممثل دخل إلى الشخصية من دون أن يخرج من نفسه. فما قيمة دورٍ لا نرى فيه إلا الوجه الذي حفظناه، والصوت الذي اعتدناه، والانفعال الذي استهلكته الأعمال السابقة؟

الممثل لا يُختبر حين يكرر نجاحًا، بل حين يخون عاداته الفنية. البطولة ليست أن تحمل شخصيتك إلى موقع التصوير، بل أن تتركها خارجه، وتدخل بروح لم يعرفها الجمهور من قبل. أما أن تتبدل أسماء الشخصيات بينما يبقى الإنسان نفسه، فذلك ليس انتصارًا للتمثيل، بل هزيمة له.

وأكثر ما يثير الدهشة تلك الحجة التي تتكرر كل موسم: «لا نملك رفاهية اختيار الأدوار». لكن من قال إن الدور هو الشخصية؟ ومن أوهمكم أن المهنة تصنع الإنسان؟ الطبيب ليس قالبًا واحدًا، ولا المحامي، ولا الضابط، ولا الأب، ولا العاشق. داخل كل مهنة آلاف الأرواح، وآلاف الطباع، وآلاف الانكسارات. وما يميز الممثل الحقيقي أنه يبحث عن الإنسان المختبئ خلف المهنة، لا عن المهنة التي يختبئ خلفها.

حين يتذرع الممثل بضيق الخيارات، فهو يختزل التمثيل في الأزياء والمهن، بينما جوهر التمثيل يبدأ بعد انتهاء هذه التفاصيل. فالنص يمنحك الاسم، والمهنة، والعمر، لكنك أنت من تمنح الشخصية نبضها، وجراحها، وإيقاعها، وصمتها، ونظرتها إلى العالم.

الممثل العظيم لا يكرر نفسه حتى لو كرر المهنة. يستطيع أن يؤدي عشرة أطباء، فلا يشبه أحدهم الآخر، وأن يجسد عشرة آباء، فلا يتكرر منهم أب واحد. أما الممثل الذي يعيد إلينا صوته، وانفعاله، وحركاته، ونبرته في كل عمل، فهو لا يقدم شخصيات متعددة، بل يقدم نفسه في مناسبات مختلفة.

التمثيل ليس أن تقنعني بأنك موجود أمام الكاميرا، بل أن تجعلني أنسى أنك موجود أصلًا. وما إن أراك في كل شخصية، حتى أعرف أن الشخصية لم تولد، وأن الفن توقف عند حدود الممثل، ولم يبلغ حدود الإنسان.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي

  • Share