ممثلون يقعون في فخ المبالغة المسرحية أمام الكاميرا - شربل الغاوي

ممثلون يقعون في فخ المبالغة المسرحية أمام الكاميرا

يُعدّ مشهد المونولوغ، أو لحظة الذروة العاطفية التي تواجه فيها الشخصية نفسها بالبكاء والانكسار والاعتراف، الامتحان الحقيقي للممثل أمام الكاميرا. ففي هذه اللحظات لا تُقاس القدرة على رفع الصوت أو تضخيم الانفعال، بل على إيصال أعمق المشاعر بأقل الوسائل الممكنة. غير أن بعض الممثلين، وخصوصاً أصحاب الخبرة المسرحية الطويلة، يقعون في فخ المبالغة المسرحية كلما بلغ الأداء ذروته.

فبدلاً من أن يثقوا بعدسة الكاميرا القادرة على التقاط ارتجافة عين أو انكسار نظرة، يستحضرون أدوات الخشبة بكل ما فيها من إسقاط صوتي وحركات واسعة وانفعالات مضخمة. عندها يرتفع الصوت أكثر مما تقتضي اللحظة، وتتسع الإيماءات أكثر مما تحتمل اللقطة، ويتحوّل الألم من إحساس يُعاش إلى أداء يُعرض. وما كان يفترض أن يكون مواجهة صادقة مع الذات يصبح استعراضاً للقدرات التمثيلية.

في تلك اللحظة لا نرى شخصية تتألم أو تنكسر، بل نرى ممثلاً يذكّرنا بخبرته وحضوره. تختفي الشخصية خلف الأداء، ويتراجع الصدق لمصلحة الاستعراض. فيخرج المشهد من التلفزيون إلى المسرح، وتفقد الكاميرا ما تبحث عنه دائماً: الحقيقة.

فالدراما التلفزيونية لا تكافئ المبالغة، بل تفضحها. والكاميرا لا تحتاج إلى الخطابة بقدر حاجتها إلى الصدق، ولا إلى الصراخ بقدر حاجتها إلى همسة صادقة. لذلك، كلما اقترب الممثل من المسرحة في لحظات الذروة، ابتعد عن جوهر الشخصية، ووقع في الفخ الذي يسقط فيه كثيرون: أن نشاهد أداءً قوياً، من دون أن نصدّق الإنسان الذي يفترض أن يكون خلفه.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي

  • Share