حين يبكي الدور خلف الكواليس - شربل الغاوي

حين يبكي الدور خلف الكواليس - شربل الغاوي

في زمنٍ صارت فيه الموهبة تُعامَل كأنّها تهمة، والخبرة تُعدّ عبئًا، والتاريخ الفنيّ لا يُقرأ إلّا كمجرّد سطر في دفتر الإنتاج، غدا الإقصاء فعلًا مقصودًا لا يخلو من القسوة. لم يَعُد التهميش نتيجة ظرفٍ عابر، بل سياسةٌ صامتةٌ تتقن طرد الفنان الحقيقيّ من الضوء، وتضعه في زاويةٍ لا يصلها التصفيق، ولا تمرّ بها الأدوار.

في هذا المشهد المتقلّب، أصبح الغياب أداةً للإلغاء البطيء؛ خنقٌ يُمارَس ببرودة، واستبعادٌ لا يُعلنه أحد، لكنّ أثره يُقرأ في سطور الانتظار الطويل، وفي الدعوات التي ما عادت تصل، وفي العروض التي تنحرف عن أصحابها كأنّهم لم يكونوا يومًا من حرّاس الفنّ. صار الصمت بديلًا عن الجواب، والنسيان المُدبَّر بديلاً عن الرفض المباشر، وكأنّ الإخلاص المهنيّ جريمةٌ تستوجب المحو.

ثمّة ممثلون لم يُقَل لهم إنّهم لم يَعودوا صالحين، بل لم يُقَل لهم شيء على الإطلاق. سكت الوسط، وتواطأ الصمت مع تغييبٍ يُمارَس برويّةٍ لا تُشبه الغياب العابر، بل تُشبه محاولة شطبٍ هادئة؛ لا تُرفَع فيها ورقةٌ سوداء، ولا تُصدَر مذكّرات توقيف، بل يُكتفى بتجاهلٍ يفتك أكثر من أيّ نقد.

وسط هذا السكون المؤلم، تعيش وجوهٌ حفرت أثرها في الذاكرة الجماعية، وعشقت أدوارها حدّ الفناء. ممثلون وممثلات خاضوا الشخصيات بدم القلب، وجعلوا من وجعهم جسرًا إلى المشاهد، وسكنوا الأدوار حتى تماهت وجوههم مع الذاكرة… ثم وجدوا أنفسهم خارج الكادر. لا لأنّهم فشلوا، بل لأنّ معايير النجاح تغيّرت، وصارت ترتكز على اعتباراتٍ لا تمتّ إلى الفنّ بصلة.

الإنتاج اليوم لا يبحث عن التراكم، بل عن التواطؤ؛ عن الحضور اللحظيّ لا البصمة، وعن مَن يرضى، لا مَن يُضيف. سقطت القيمة أمام الاعتبارات العابرة، وانهار مبدأ الجدارة تحت ثقل المسايرة، وغاب صوت الموهبة وسط ضجيج الخفّة.

أصبحت المهنية المخلصة تُفسَّر على أنّها تعقيد، وصار العمق يُعامَل كأنّه تهديدٌ لإيقاع الاستهلاك. لم تَعُد التفاصيل تهمّ، بل صار الانطباع اللحظيّ هو المقياس، وتحول الالتزام إلى عبء، والصدق إلى تهمة. من يرفض المجاملة يُنفى، ومَن يطالب بحقّه في السؤال يُقصى.

في هذا المناخ، تُركَن المواهب الناضجة وتُعامَل وكأنّ الزمن قد سرق منها صلاحية الظهور؛ فيما الحقيقة تقول إنّ الزمن وحده هو القادر على إنضاج الدور، وعلى شحن الأداء بعمق التجربة. لكنّ هذه الحقيقة تغيب حين يُدار الفنّ بمزاج السوق، لا بعين المعرفة.

الإقصاء لا يُضعف الفنان وحده؛ بل يُخلخل المنظومة بأكملها. فحين يُقصى مَن يرفع مستوى الأداء، ينخفض منسوب المشهد. وحين يُغيَّب مَن أسّس ذاكرةً وجدانية لدى الجمهور، يتفكّك الجسر بين الشاشة والمشاهد. يسقط التواصل، ويبهت الحضور، ويتحوّل الفنّ إلى عرضٍ يمرّ ولا يُذكر.

الفنّ، في جوهره، ليس حقلًا للتجريب الموسميّ، بل مشروعٌ ثقافيّ طويلُ النفس. يحتاج إلى وجوهٍ تُدرك المعنى، وأسماءٍ تعرف كيف تُعيد تشكيل اللحظة. والممثل الذي عانق الكاميرا والمسرح والوجع، لا يستحقّ أن يُستبدل بالجاهز، ولا أن يُقصى لصالح المؤقّت.

في ظلّ عدالةٍ غائبة عن توزيع الأدوار، يغدو الصدق، والصوت، والموقف، ضريبةً باهظة. ويُكافَأ من يتنازل، فيما يُقصى من يُصرّ على أن يبقى فنانًا… لا مجرّد موظف أدوار.

إنّ العودة إلى مبدأ الجدارة ليست مجرّد حنينٍ إلى الماضي، بل إنقاذٌ لما تبقّى من المعنى. وإنصافُ الممثل الحقيقيّ ليس فعلَ اعترافٍ متأخّر، بل نداءُ ضميرٍ لإنقاذ هويةٍ تُغتال كلّما غاب الصدق عن الكادر.

الفنّ، حين يُخان، لا يغفر. والزمن، حين يجيب، يكون الجواب قد فات أوانه. أمّا الصمت، فلا يملّ من الطعن.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي

  • Share