لماذا تشبه الممثلات بعضهن؟ - شربل الغاوي
لم تعد الشاشة تعجّ بالوجوه، بل بالنسخ. كأن الفن دخل زمن الاستنساخ البارد، حيث تمرّ الممثلات بملامح متشابهة إلى حدّ يجعل المشاهد يشعر أنه يرى الوجه نفسه بأسماء مختلفة. الشفاه ذاتها، الوجنات نفسها، وحتى التعابير باتت وكأنها خارجة من قالب واحد.
السبب لم يعد عمليات التجميل وحدها، بل زمن كامل يعاقب الاختلاف ويكافئ التشابه. فالسوشيال ميديا فرضت شكلًا محددًا للجمال، والوجه الذي يحقق تفاعلًا أكبر يتحول إلى نموذج تلاحقه الجميع. ومع الفلاتر، بدأت كثيرات ينافسن نسخة رقمية معدّلة من أنفسهن، حتى صار الوجه الطبيعي يبدو ناقصًا أمام الصورة المصقولة.
ثم جاءت عيادات التجميل لتكمل ما بدأته الخوارزميات؛ فيلر وبوتوكس وملامح مرسومة بالطريقة نفسها، حتى اختفت التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح كل ممثلة بصمتها الخاصة. في الماضي، كانت الفنانة تُعرف من ظلّها أو من نظرة عينيها، أما اليوم فصار المشاهد يحتاج إلى الاسم كي يميّز بين الوجوه.
حتى شركات الإنتاج تتحمل جزءًا من هذه الأزمة، لأنها لم تعد تبحث عن الوجه المختلف، بل عن الوجه “القابل للبيع”، الوجه الذي يشبه ما نجح سابقًا. لذلك أصبح التشابه أكثر أمانًا من الفرادة، وتحول الجمال من هوية إلى موضة.
كما لعبت الكاميرات الحديثة دورًا قاسيًا، فالدقة العالية دفعت كثيرات إلى مطاردة الكمال خوفًا من أي تفصيل طبيعي. لكن هذا السعي ألغى الإنسانية نفسها من الوجوه، لأن الوجه الذي لا يشيخ ولا يتعب، لا يحمل حكاية.
والمؤلم أن بعض الممثلات لم يعدن يبحثن عن البصمة الفنية، بل عن القبول السريع الذي تمنحه الخوارزميات والسوق. وهكذا لم تعد الأزمة في تشابه الملامح فقط، بل في اختفاء الأرواح خلفها، حتى بدا الفن وكأنه فقد ملامحه الحقيقية.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي